أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
45
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
لهم ما يحتمله فهمهم ، ولا يذكر للمتعلمين أن وراء ما ذكر لهم تحقيقا وتدقيقا أدخره عنهم ، فإن ذلك يفتر فهمهم في تلقف ما ألقى إليهم ، بل يخيل إليهم أن ما ذكر لهم كل المقصود ، ثم إذا استقل به رقي إلى غيره . وعلى هذا القياس ، ينبغي أن تجنب أسماع العوام المتشرعين عن كلمات الصوفية التي يعجزون عن تطبيقها بالشرع ، فإن ذلك يؤدي إلى انحلال قيد الشرع عنهم ، ولا يمكن لهم التطبيق بينه وبين الشرع ، فينفتح عليهم باب الإلحاد والزندقة ، فينقلب شيطانا مريدا . كما نشاهد ذلك في بعض عوام زماننا المتتبعين لكلمات ( الفصوص ) وغيره ، الغير المستأهلين لتحقيقها واتقانها . فينبغي للمعلم أن يرشد العوام إلى علم العبادات الظاهرة وأن يملأ نفسهم إلى الرغبة والرهبة ، كما يفعله الوعاظ والمذكرون ، وإن عرض لهم شبهة يعالج بكلام اقناعي وتقرير واضح عامي ، ولا يفتح عليهم باب الحقائق ، فإن ذلك فساد النظام ، وإن وجد ذكيا ثابتا على قواعد الشرع ، ومستعدا لدرك الحقائق العقلية والأسرار الإلهية ، جاز أن يفتح له باب المعارف الربانية ، بعد امتحانات متوالية وتجارب متتالية ، حتى لا يتزلزل عن جادة الشرع ، ويجمع بينه وبين الحقائق ، وماذا بعد الحق إلا الضلال . وقد أسلفنا أن السلف كانوا يختبرون المتعلم في أخلاقه ، فإن وجدوه مهذب الأخلاق ، اشتغلوا بتعليمه ، وإلا منعوه أشد المنع ، خيفة من أن يقصر في الفهم ، فيفسد به دينه ودين غيره . ولهذا قالوا : نعوذ باللّه من نصف فقيه ونصف طبيب ، فإن الأول يفسد الدين والثاني يفسد البدن . وإذا انتهى الكلام إلى هذا المقام ، فانا أوصيك وصية عمل من طب لمن حب ، لعلك تنتفع بها وتدعو لي بخير ، وهي : أن الواجب عليك أيها الطالب للحق ، والراغب في الصدق ، أن لا تنكر أولياء اللّه تعالى ، فإنهم الوسيلة بينك وبين اللّه تعالى ، والخليفة من حضرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فإذا كنت في المدارج غرا * ثم أبصرت حاذقا لاتمار لا تكن منكرا فثم أمور * لطوال الرجال لا للقصار فإذا لم تر الهلال فسلم * لأناس رأوه بالأبصار